( الحارة القديمة )
كنا صغار ..
نعانق البراءة
من ثغر الحمامة
نلعب في الروابي
ونجري في بساتين واسعة ..
تحت ظلال النخيل
نستحم في أفلاج القرية
ونحتسي قهوة الفلاحين
نأكل التمر والتين
تتبعنا زقزقة عصافير
بألوان رائعة ..
...
هناك ..
حيث رائحة الطين
تشرب المكان
وتأكل الزمان
تتنفس
من جدران الحارة القديمة ..
هواء عليل يهضم الحجرات
زخات باردة تعانق القطرات
..
(فالخرس والجحلة)
يعزفان لذة الشراب
يعاكسان (السعن ) المعلق
على شجرة الفرصاد
بجانب خيمة تلتحف
تحت ظلال الليمون العملاقة ..
نشارك الفلاحين
في قرع البراميل
لارتعاشات العصافير
من غابات القمح
ونسامر الفزاعة
المعلقة كالصليب ببراعة
تحرس الحقول والزراعة ..
..
نأكل خبزا من سعف النخيل
مع ( لبن المقطّع) كالعجين
ورائحة السدر تحاكي (الزيجرة)
يختلط لحنها مع الخوار والنهيق
و ( المنجور ) المعلق
على أكتاف الجدار
يعزف سيمفونية تراثية
يقودها الحنين ..
..
شيوخ وصغار
نساء وكبار
يلذذون مسامعهم
بأوتار حساسة
..
أفلاج زرقاء عذبة
تصعد من الجبّ
على دلو يرتعش
يعانق المصبّ ..
مياه عذبة
تخرج من صنابير الأنعام
أنغام بلحن الربابة ..
تتناغم حياة الحضر
مع سكون البداوة
ثغاء الرعاة يحصد
أعلاف النخيل
ويمرح في السيوح السامرة ..
حارة قديمة
مرتعشة القناديل ,
في كلحات الليل المترعة
ترتفع المآذن
بأصوات مخنوقة
تهجع في العبادة والتراتيل ..
يشق الفجر نوره
والكل يحمل حقيبة
ونذهب للمدرسة ..
ندرس داخل خيمة
تعلمنا حب الوطنية ..
وفي المساء
نحمل الكراسة
نذهب تحت السدرة
لنتعلم دين العبادة
حفظ القرآن
والصلاة
والسنة
وفرض الجهاد من اجل (كلمة)
..
كلنا نردد دائما خلف المعلم
(هذا اللعب ماينفع
في أيدينا ختمة ومرفع ...)
نفحات إيمانية
ومباديء إسلامية
تلاوة مصحف
وكراسة بغدادية
معلمنا كالأسد يزأر
وعلى رقابنا تلتف خيزرانه
تحتضن ظهورنا
إذا أهملنا حفظ آية
أو ضعفنا في التلاوة ..
ونعود في المساء
تحت رعشة الشتاء
ودخان البرد
تحتضن رائحة القهوة والشاي
تخرج من مسامات الجدران والطينة ..
...
ما أجمل القرية
التي ترشح شواطئها الملح
يعانق جدرانها البحر
مد وجزر
يداعب سبلة من السعف
تحتضن حطام سفينة ..
..
تحت العريش
السنبوق يلتحف الرطوبة
ونظرة بعيدة لرعاف الموج
وامتدادات البحر
سهوبة تلاع هوري الدجل ,
الليخ يرشح الأصداف
والهمة في رجال ابن ماجد
" يا مركب الهند يا بو دجلين
ياليت أنا كنت ربانا "
يهتفون
الأشرعة ترفرف
والغنجة تتوارى عن الأنظار
مسافرون
زنجبار وباقي الأقطار
يرافقهم سهيل والياه والزهرة
شهور طويلة مهاجرون
وطويلة جدا غائبون
وهم بين المطلع والمغيب
وتجارة على ظهر الغنجة
تدخل عباب الخليج
عائدون ..
ما أجمل قرى حاضرة البحر
شاطيء جميل وقت الغروب
يسحر النظر
ما أقسى الانتظار
وما أروع اللقاء والإنتصار
الموج يصفق بقدوم المسافرين
من رحلة طويلة عائدين
والفرح عرس للقادمين
يعم الساكنين ..
......
الحياة صعبة العناء
في الحارة القديمة
ولكنها حلوة
بيوتهم متقاربة
كأنها عائلة واحدة
متكاتفة
ذوقلوب رحيمة ..
يصارعون البقاء
من اجل لقمة ..
في ليالي الجوع العارية ..
حتى شق فجر النهضة
المباركة
فأصبحنا بفضل الله
رافعين الرؤوس
وبفضل قائدنا السلطان
قابوس ..
في نعمة عظيمة ..
...
من ديوان (شوق على الضفاف)
لابو الحسام